الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

305

تفسير روح البيان

المنعوتون بما ذكر من ضلال السعي مع الحسبان المزبور الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ بدلائله الداعية إلى التوحيد عقلا ونقلا وَلِقائِهِ بالبعث وما يتبعه من أمور الآخرة على ما هي عليه فَحَبِطَتْ بطلت بذلك أَعْمالُهُمْ المعهودة حبوطا كليا فلا يثابون عليها فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ اى لأولئك الموصوفين بما مر من حبوط الأعمال وَزْناً اى فنزدرى بهم ولا نجعل لهم مقدارا واعتبارا [ بلكه خوار ومبتذل خواهند بود ] لان مداره الأعمال الصالحة وقد حبطت بالمرة وحيث كان هذا الازدراء من عواقب حبوط الأعمال عطف عليه بطريق التفريع واما ما هو من اجزية الكفر فسيجيئ بعد ذلك وفي الحديث ( يؤتى بالرجل الطويل الأكول الشروب فلا يزن جناح بعوضة ) اى لا يوضع له قدر لخساسته وكفره وعجبه ( اقرأوا ان شئتم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ) اى لا نضع لأجل وزن أعمالهم ميزانا لأنه انما يوضع لأهل الحسنات والسيئات من الموحدين ليتميز به مقادير الطاعات والمعاصي ليترتب عليه التكفير أو عدمه لان ذلك في الموحدين بطريق الكمية واما الكفر فاحباط للحسنات بحسب الكيفية دون الكمية فلا يوضع لهم الميزان قطعا وفي التأويلات النجمية لان وزن الاشخاص والأعمال في ميزان القيامة انما يكون بحسب الصدق والإخلاص فمن زاد إخلاصه زاد ثقل وزنه ومن لم يكن فيه وفي اعماله اخلاص لم يكن له ولا لعمله وزن ومقدار كما قال اللّه تعالى وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ اى بلا اخلاص فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً فلا يكون للهباء المنثور وزن ولا قيمة ذلِكَ اى الأمر ذلك وقوله تعالى جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ جملة مبينة له بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً يعنى بسبب كفرهم وإنكارهم لما يجب ايمانهم وإقرارهم به واتخاذهم القرآن وغيره من الكتب الإلهية ورسل اللّه وأنبياءه سخرية واستهزاء من قبيل الوصف بالمصدر للمبالغة يعنى انهم بالغوا في الاستهزاء بآيات اللّه ورسله فكأنهم جعلوها وإياهم عين الاستهزاء أو المعنى مهزوا بهما أو مكان هزء واعلم أن العلماء ورثة الأنبياء وعلومهم مستنبطة من علومهم فكما ان العلماء العاملين ورثة الأنبياء والمرسلين في علومهم وأعمالهم كذلك المستهزءون بهم ورثة أبى جهل وعقبة ونحوهما في استهزائهم وضلالهم ومن استهزاء أبى جهل بالنبي صلى اللّه عليه وسلم انه كان يخلج بأنفه وفمه خلف رسول اللّه يسخر به فاطلع عليه عليه السلام يوما فقال ( كن كذلك ) فكان كذلك إلى أن مات . ومن استهزاء عقبة به عليه السلام انه بصق يوما في وجه النبي صلى اللّه عليه وسلم فعاد بصاقه على وجهه وصار برصا وفي حقه نزل وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ اى في النار يأكل احدى يديه إلى المرفق ثم يأكل الأخرى فتنبت الأولى فيأكلها وهكذا كذا في انسان العيون وفي الحديث ( ان المستهزئين بالناس يفتح لأحدهم باب من الجنة فيقال هلم هلم فيجيئ بكربه وغمه فإذا جاء أغلق دونه فما يزال كذلك حتى أن الرجل ليفتح له الباب فيقال هلم هلم فما يأتيه ) كما في الطريقة اللهم اجعلنا من أهل الجد لا من أهل الهزل ووفقنا للعمل بما في القرآن الجزل إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا في الدنيا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ من الأعمال وهي ما كانت خالصة لوجه اللّه تعالى كانَتْ لَهُمْ في علم اللّه تعالى جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ [ بهشتهاى فردوس يعنى بوستانهاى مشتمل بر أشجار كه